الثعلبي

154

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

قال ابن عمر : قام رجل فقال : يا رسول اللّه ما يوجب الحج ؟ قال : « الزاد والراحلة » قال : فما الحاج ؟ قال : « [ الشعث التفل ] » « 1 » قال : فما أفضل الحج ؟ قال : « العج « 2 » والثج » « 3 » [ 123 ] . وقال مالك : إذا قدر على المشي ووجد الزاد والراحلة لزمه الحج بلا خلاف ، وإن لم يجد الزاد والراحلة وقدر على المشي نظر ، فإن كان مالكا للزاد فعليه فرض الحج لكل حال ، وإن لم يكن مالكا للزاد ولكنه يقدر على كسب حاجته منه في الطريق اختلف هذا باختلاف حال الرجل ، فإن كان من أهل المروات وممّن لا يكسب بنفسه لم يجب عليه ، وإن كان ممن يكسب كفايته بتجارة أو صناعة لزمه فرض الحج ، وهكذا إذا كان عادته مسألة الناس لزمه فرض الحج ، فأوجب مالك على المطبق للمشي الحج إذا لم يكن له زاد وراحلة ، وهذا قول عبد اللّه بن الزبير والشعبي وعكرمة . وقال الضحاك : إن كان شابا صحيحا ليس له مال ، فعليه أن يؤاجر نفسه بأكله أو عقبه حتى يقضي حجته ، فقال : له قائل ما كلف اللّه الناس أن يمشوا إلى البيت . فقال : لو أن لبعضهم ميراثا بمكة أكان تاركه بل كان ينطلق إليه ولو حبوا ، كذلك يجب عليه الحج ، واحتج هؤلاء بقوله تعالى : وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا « 4 » أي مشاة . قالوا : ولأن الحج من عبادات الأبدان من فرائض الأعيان ، فوجب أن لا يكون من فرض وجوبها الزاد والراحلة كالصلاة والصيام ، فإذا [ تقرر ] أن وجود الزاد والراحلة شرط في وجوب الحج على قول أكثر أهل العلم ، فوجب أن يبيّن كيفية اعتبار الراحلة والنفقة ، وذلك يختلف باختلاف أحوال الناس . وأما الراحلة : فهي ما لا يلحقه مشقة شديدة في الركوب عليها ، وأما النفقة : فإن كان ذا أهل وعيال يجب عليه نفقتهم ، فلا يلزمه الحج حتى يكون لهم نفقتهم مدة غيبته لذهابه ورجوعه ، لأن هذا الإنفاق فرض على الفور والحج فرض على التراخي ، وكان تقديم إنفاق العيال أولى وأهم . وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « كفى بالمرء إثما أن يضيّع من يقوت » « 5 » [ 124 ] فإذا لم يكن له أهل وعيال فلا بد من نفقته لذهابه ، وهل يعتبر فيه الرجوع أم لا ؟ فيه قولان للفقهاء :

--> ( 1 ) التفل : الذي قد ترك استعمال الطيب . ( 2 ) العج : العجيج بالتلبية ، والثج : نحر البدن . ( 3 ) المصنف - الكوفي - : 4 / 535 . ( 4 ) سورة الحج : 27 . ( 5 ) مسند أحمد : 2 / 160 .